calendrier

 

Iman Humaydan

Biographie

Iman Humaydan (Liban, 1956) est une écrivaine, anthropologiste, journaliste, scénariste et professeure d'écriture créative. Elle écrit des chroniques hebdomadaires pour le journal libanais Assafir et a publié trois romans à ce jour : Ville à vif, Mûriers sauvages et D'autres vies (publiés en traduction française aux éditions Verticales). Ses livres ont également été traduits en anglais, italien et néerlandais. Les souvenirs de guerre et la situation des femmes, ainsi que leurs droits occupent une place particulière dans l'œuvre d'Iman Humaydan. Le long-métrage Here Comes the Rain (2011), nourri de ses recherches sur les personnes disparues au Liban, a reçu neuf prix internationaux. Lors de sa résidence à Passa Porta en 2013 et 2015, elle a travaillé sur Rassa el Istanbul (Lettres d'Istanbul), son quatrième roman, qui est paru en 2015.

Top

Texte d'Auteur

ايمان حميدان كاتبة من لبنان
فصل من رواية "خمسون غْراماً من الجنة"
دار الساقي بيروت 2016

يوميات نورا


حلمتُ أن أكون كاتبة منذ صغري وكنت أرى سقف الكتابة هو مقال

في صحيفة.

كانت دائما الكلمة التي أبحث عنها تحت اللسان، قريبة من القلب

لكنها لا تجد موطئاً لها. لا تستطيع أن تلبس جسداً له صوت ورنّة

ووقع وتأثير. وكنت أعتقد أنني مصابة بأمر ما، مرض، او قلة حيلة،

إصابة تضعني بمصاف أقلّ من مصاف الذين في مثل سني.

أذكر اللواتي كنّ في صفي. كانت ضحكاتهن ترنّ خلف جدران

الصفوف وفي الملعب. كنت أمشي معهن ننزل الادراج نحو الملعب الكبير،

أضحك معهن لكن سرعان ما كنت أضجر وأعود الى وحدتي بعيدا عنهن. كنت

أقلق من أمري هذا. ثم صرت أسمع حكايات زواجهن وانجابهن وبقائهن في

البيوت. مضى وقت قبل أن أعرف ما بي وأن ما بي أمر جميل وعلي

الإعتناء به كتميّز وليس كمرض.


في سوريا أحرقت كل الدفاتر السميكة التي ملأتها حين قررت
المجيء الى لبنان والإقامة هنا. لم أفهم حينها السبب الحقيقي
لرمي كل ما كتبت في الموقد ثم الوقوف قريباً منه أتفرج على
النار تأكل الأوراق وتأكل قلبي. لماذا حرقت كل ما كتبت؟
هل كنت أعاقب نفسي على موت أختي أم كنت أرغب
بالتطهّر من الذنب؟ أو ربما قمت باحراق ما كتبت لأبدأ حياة جديدة في
بيروت، وكي لا اموت في بيت جدتي. لم تهرب أختي هناء، تَرَكتْ رسالة كي
تحكي قصة موتها.
أوّل ما قمت به حين وصلت إلى بيروت أنني كتبت قصة أختي هناء.

لم أعرف حينها أن تلك الصفحات سترسم حياتي كلها. كتبت القصة

وأثناء الكتابة أمور كثيرة أزيحت من أمام عيني. إذ حكاية اختي غيّرتني. لم تمت

أختي فحسب بل ماتت نورا القديمة أيضاً. الآن أفكر ان حرق ما كتبت كان

انتحاراً صغيراً، لكنه كان أيضا حماية لي كي لا أكتب موتي النهائي هناك.

كانت حكاية الموت طريقاً للنجاة. استطعت أن افهم حينها لماذا بقي

أبي صامتاً ولماذا هدى ابنة عمتي تجاهلت ما أخبرتها به، ولماذا أخي

من أبي اختار الحياد. انتهاء قصة اختي هناء كان بداية لقصتي. إلّا

أنّ كتابتي لقصة أختي لم تشفِني من رغبة المحاسبة، التي هي

حق لي ولأختي التي خسرت الحياة.

لم تكن أختي هي الوحيدة التي شربت الديمول ونامت في أرض
الباكِه ولم يجدونها إلّا أول المساء، لا، لم تكن هي وحدها بين نساء
العائلة، من انتحرت أو حاولت الانتحار . قبل حادثة أختي بعشرين سنة حاولت
احدى شقيقات أبي الإنتحار بنفس الطريقة في مكان آخر، إلّا أنها ركلت الموت
في لحظاتها الاخيرة.
قصص كثيرة عن نساء العائلة بعيدات وقريبات خضن تجربة الإنتحار ونجا بعضهن.
نساء ينتقمن من الظلم بظلم أنفسهن. إنها دوائر مغلقة. لو فهمت المرأة لماذا
تذهب صوب قتل نفسها لتوقفت عن ذلك. لكن كيف تفهم، حيث ربما من الصعب
عليها الفهم؟ كثيرات رفضن ان يظلمن أنفسهن دون أن يستطعن تحديد مصدر
الظلم. رغم ذلك فتشن عن نافذة ضوء ، ابتعدن، هاجرن ونجون. هل هو الاختلاف
في الشخصيات؟ أم أن مستوى غريزة البقاء يلعب دوراً في حماية المرأة
لنفسها؟ انتحار هناء دفع بكل تلك الأسئلة الى أوراقي كل مرة أردت الكتابة عن
موتها. لم ألقَ جواباً لكنني وجدت نفسي مدفوعة بقوة داخلية لكسر تلك الدوائر
المغلقة. قوة ورثتها عن جدتي لأمي التي علمتني ان الحياة حق، وهي التي
بقيت على قيد الحياة بمحض الصدفة، حين أتى بها شاب من شمالي سوريا،
ولم تتجاوز الست سنوات، من مخيم للاجئين الأرمن قرب حلب بعد أن شاهد
مقتل عائلتها. كان جنديا في الجيش العثماني وسرّح بعد إصابته برصاصة في
ذراعه شلّت يده. أتى بها الى عائلته وقال لهم ستكون اختنا الصغرى. شاهاني،
هذا كان اسم جدتي قبل ان تغيّر العائلة التي حضنتها اسمها ودينها. أرادت
العائلة الحفاظ على اسمها بطريقة ما وعدم نسيانه فوجدوا لها اسما غريباً. صار
اسمها شهلا. أحيانا تذكر جدتي اسمها الأول وتتخيّل لغتها وتروح تدندن أغان
أرمنية حملتها معها منذ كانت طفلة. أغان اختلطت مع الزمن بإيقاعات لقدود
حلبية ولا تعود تعرف الفصل فيما بينها. كنت أسمعها ولا أفهم شيئا وغالب الظن
أنها هي أيضاً ما عادت تفهم معاني الكلمات التي تغنّيها. نسيت لغتها لكنها لم
تنس ماردين البلدة التي هُجّرت منها مع أهلها وهي طفلة. نسيت ربما كل
شيء إلّا ذلك اليوم الذي التقت فيه بجدي وكانت في السابعة عشرة، وتغيرت
حياتها للمرة الثانية، وكان جدي شاباً يبيع شوالات القمح مع أبيه في سوق
حلب وصودف وجودها في محل أبيها في السوق، وابتسمت بدلال حين رأت
جدي قائلة "لا نشتري قمحكم ولا نأكل الا من قمح الجزيرة " وكانت تقصد
منطقة الجزيرة المشهورة بزراعة القمح . أعجبها وأرادت التحرّش به ولم تدر
كيف. كانت على وشك السفر للتدريس في إحدى مدارس جبل حوران، فسافرت
معهما لتصبح معلمة أطفال في مدرسة البنات التابعة للإرسالية الأنغليكانية، ثم
زوجة لذلك الشاب الذي هو جدّي وصارت تهتم بالبستان القريب من البيت
وتحاول زراعة الفستق الذي كانت تستظل به في سهرات حلب الباردة، والذي لم
تنجح زراعته في الجبل. ثم راحت تزرع مزيداً من الكرمة، وتقوم بصناعة النبيذ
الأحمر الذي تتركه في الخوابي من سنة لأخرى.
لم أعرف تفاصيل حكاية جدتي وموت عائلتها ولجوئها طفلة الى حلب
الا بعد موت أمي، وبعد أن كثرت زياراتنا الى بيتها في بلدة رمّانة في الجبل،
وصار بمثابة بيت ثان لنا، خاصة بعد زواج أبي، نقضي فيه الصيف بأكمله ولا نعود
الى دمشق الاّ في بداية السنة الدراسية. كانت حياة جدتي اشبه بحكاية
مقطوعة لا ماضٍ لها ولا مصدر. لم ترث أمي قصتها ولم تنقلها لنا. كانت أمي
صامتة كأنها ولدت من جذع شجرة وليس من رحم امرأة. وجد الكلام بيني وبين
جدتي طريقه الينا يوما ما بعد موت أمي حين صرت أرافقها الى الباكِه قرب
البيت ثم الى عليّة المؤونة. أتفرج عليها تنقي حبات العنب في بداية الخريف
تهرسه وتضعه كي يتخمّر في الخوابي الفخارية، تاركة بعضه يجف ويتحوّل الى
زبيب تضيفه مع اللوز والجوز الى الصحون المملوءة بالقمح المسلوق. تجلس
على الارض وتبدأ بوضع الزيتون في أوعية زجاجية كبيرة ثم تضيف إليه قطع
الحامض والفلفل الاحمر ، تغمره بالماء المملّح وتنهي لوحتها الفنية بسكب
طبقة من زيت الزيتون الصافي على الزيتون الأخضر.
هناك في ذلك الخريف الاول بعد موت أمي ولم أكن قد تجاوزت
العاشرة بعد راحت جدتي شاهاني تروي لي قصتها، ومع الحكاية كنت أستمع
وأراقب ما تقوم به. كنت كمن أسمع حكايتين في آن. حكاية طفولتها ومراهقتها
في حلب وسط عائلة تبنتها إلّا أنها في النهاية لم تكن عائلتها، وحكاية ثانية
هي قصص عذابات تأقلمها على طبيعة جبلية متوحشة وعلاقات عائلية كان من
الصعب على شاهاني الدخول فيها كواحدة من أهلها.
حين وُجدت جثة هناء في الباكِه القريب من البيت كانت جدتي قد صارت في آخر
أيامها. لم تستطع القيام والسير الى الخارج. صارت تنوح من مكانها في السرير
وتقول ان لا ثعابين في الباكِه وان ما يقوله الأهل عن سبب موت هناء مجرد
غباء.
في زيارتي الاخيرة لها، قلت انني اريد السفر، وكانت قد هزلت كثيراً منذ لقائنا
الاخير يوم عيد الأضحى، وتوقفت عن صناعة النبيذ وزيارة الكرمة. صارت توصيني
وتردّد ان السفر نعمة، وان اليوم هو الحياة، وان الحياة حق لا يؤجل للغد، وان
المكان أينما أكون هو مرآة روحي ولا بدّ سيشبهني. لم تعش شاهاني، كما
أحب دائماً ان اسميها، طويلاً . رحلت أياماً قبل الذكرى الأولى لرحيل هناء
واسبوعين قبل سفري.

***
ماتت جدتي ورفض مشايخ رمّانة والجوار تلاوة صلاة الرحمة عليها. اضطر خالي
أن يأتي برجال دين عُرفوا بانفتاحهم أكثر من هؤلاء الموجودين في البلدة لصلاة
الرحمة. قال رجال الدين أنه لا تجوز الرحمة على امرأة من أصول بعيدة عن
الطائفة وانهم سيحرقون في نار جهنم إن فعلوا. كل هذا الغباء عبّروا عنه
فقط لأنها لا تنتمي الى الطائفة. منذ تلك الحادثة تغيّر خالي، وما عاد يقيم أي
علاقة اجتماعية مع عائلات المشايخ وما عاد يساهم في أفراحهم ولا أتراحهم.
موت جدتي أعاد اليه وعياً كان قد ابتعد عنه خلال حياته التي اتسمت بالعمل
اليساري السري، ان الموت هو الفرصة الملائمة لرجال الدين للانتقام من الاحياء
عبر معاقبة جثث موتاهم وإغلاق طرق الجنة أمامها. يتهمون الأحياء بانعدام
المسؤولية وبتقصير ما أمام أمور غامضة غير مفهومة. هكذا تغدو الجنة مقفلة
ليس أمام الأموات فحسب بل أمام الأحياء أيضاً.
***
قررت أن أسافر لأنني أردت أن أنجو بنفسي. لا أريد هذه الجنة ولا هذا الموت.
أريد النجاة أولا ثم فهم أسباب الظلم. لا اريد أن أموت انتحاراً، بل لا أريد أن أموت
أصلاً ولا أن أكون شاهدة على الظلم. أريد أن أحيا وأن أنمو وان أحب وان أكتب
وان انجب وأن أكون أماً. أريد أن أشعر بطعم السعادة كفعل حاضر وليس كفعل
ماضٍ. أن تكون السعادة مقترنة بكلمة الآن ولا علاقة لها لا بالجنة ولا بالماضي
الذي لن يعود. هكذا أنهيت كتابة قصة اختي بكلمتَيْ جدتي "الحياة حق".

 

Top
Villa Hellebosch
4.11.13 > 18.11.13
Porte de Hal
5.01.15 > 2.02.15

Bookmark and Share Retour